ما تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على دول الخليج؟
قررت الإدارة الأمريكية زيادة أسعار الرسوم المفروضة على الواردات السلعية. يترتب على ذلك تداعيات اقتصادية على الصعيد العالمي في مقدمتها تباطؤ النمو فتتضرر دول الخليج، كما تؤثر هذه الرسوم سلبياً على السياسات النقدية والاستثمارية لهذه الدول.
تعاني الولايات المتحدة من أزمة مالية متعددة الأبعاد، إذ تسجل الميزانية الفيدرالية عجزاً قدره 1.8 ترليون دولار كما بلغ عجز الميزان التجاري حوالي ترليون دولار. وللتصدي لهذه المبالغ الهائلة قررت الإدارة الجديدة زيادة كبيرة في الرسوم المفروضة على الواردات السلعية.
تهدف هذه الزيادة إلى الحصول على إيرادات جمركية إضافية لتقليص العجز المالي كما تسعى إلى تخفيض الواردات وتحسين الصادرات فيتراجع العجز التجاري.
لكن استخدام الرسوم الجمركية على هذا النحو من قبل أكبر اقتصاد ومستورد للسلع في العالم لابد وأن يؤثر سلبياً وبشدة على جميع الشركاء التجاريين ومن بينهم دول مجلس التعاون.
صحيح أن قرار الرئيس دونالد ترامب بتجميد الرسوم الجمركية قد قلل من مخاوف الدول إلا أن هذا التجميد من الممكن أن ينتهي وأن تعود الرسوم الجمركية من جديد.
مخالفة للاتفاقات الدولية
أصدرت الإدارة الأمريكية قائمة تتناول الأسعار الجمركية التي تنوي الولايات المتحدة فرضها على وارداتها من 175 دولة. تبدأ الأسعار بنسبة قدرها 10% وتسري على عدد كبير من البلدان كدول مجلس التعاون والمغرب والسودان ومصر وبريطانيا وأستراليا والبرازيل. وترتفع إلى 20% على الواردات من الاتحاد الأوروبي. وتصل إلى 26% على الهند و28% على تونس و39% على العراق. حتى تبلغ 145% على الصين وهي أعلى نسبة.
الولايات المتحدة عضو في منظمة التجارة العالمية بل أن الاتفاقات المتعددة الأطراف لهذه المنظمة التي تمثل التنظيم التجاري العالمي مبنية على المصالح الأمريكية.
تعتمد هذه الاتفاقات على مبدأين أساسيين هما مبدأ تقليص الرسوم الجمركية ومبدأ الدولة الأولى بالرعاية.
يتعين على جميع الدول الأعضاء في المنظمة تقليص رسومها الجمركية. ولا يحق لها زيادتها إلا بعد موافقة الشركاء التجاريين. ولا يوافق هؤلاء إلا بعد حصولهم على تعويض مناسب أو امتياز معين.
الإدارة الأمريكية تضرب عرض الحائط هذا المبدأ. فقد قررت بإرادتها المنفردة زيادة الرسوم الجمركية دون موافقة الشركاء التجاريين بل حتى دون استشارتهم. كما لا توجد لديها أية نية لتعويضهم أو منحهم بعض الامتيازات.
رفضت هذه السياسة الجديدة دول كالصين وكندا والاتحاد الأوروبي. في حين رضخت دول مجلس التعاون للسعر المفروض عليها وهو 10%. بل أن البعض في الخليج يحاول تبرير هذا السعر بدلاً من التصدي له
كما تتعارض القائمة الأمريكية مع مبدأ الدولة الأولى بالرعاية المنصوص عليه في المادة الأولى من اتفاق الغات المتعدد الأطراف.
وهذا المبدأ يعني أن الرسم المفروض على استيراد سلعة معنية من دولة معينة يجب أن يسري على السلع المماثلة المستوردة من دول أخرى. أي يتعين عدم التمييز بين الدول إلا في حالات معينة كالمناطق الحرة.
القائمة الأمريكية لا تعترف بهذا المبدأ لأنها تفرض رسوماً تختلف حسب الدول وبناء على معايير وضعتها الإدارة الأمريكية بمفردها. وهي معايير غير منطقية وتفتقد إلى المصداقية وتدعو إلى التعجب.
إلى جانب الرسوم التي تفرضها الولايات المتحدة على وارداتها السلعية نجد في القائمة عموداً للرسوم الجمركية التي تفرضها الدول على وارداتها من الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال فرض رسم بنسبة 10% على السلع المصدرة من قبل دول الخليج إلى الولايات المتحدة. لأن دول الخليج (حسب القائمة) تفرض رسوماً قدرها 10% على وارداتها من الولايات المتحدة.
والواقع أن دول مجلس التعاون حظيت بهذه المعاملة لأن الميزان التجاري الأمريكي في حالة فائض مع جميع دول الخليج وهذا هو الهدف الذي تسعى إليه الإدارة الجديدة. بالنسبة إلى الدول التي تحقق موازينها التجارية فائضاً مع الولايات المتحدة كالصين والاتحاد الأوربي فتخضع لأسعار جمركية أمريكية عالية.
حسب القائمة تفرض دول الخليج رسوماً جمركية معدلها 10% على وارداتها من الولايات المتحدة، في حين تطبق هذه الدول سعراً جمركياً موحداً قدره 5% فقط يسري على استيراد السلع غير الخليجية. لا شك أن هذه الدول تطبق سعراً مرتفعاً يصل إلى 100% على السجائر لكن هذا السعر لا يقتصر على السجائر الأمريكية بل يسري على هذه السلعة بغض النظر عن المنشأ، على هذا الأساس فأن معدل الأسعار الجمركية في السعودية مثلاً وحسب منظمة التجارة العالمية 6.1% وليس 10%.
وهنالك إشارة أخرى إلى ضعف مصداقية القائمة الأمريكية ترتبط بالاتحاد الأوروبي. ووفق هذه القائمة يفرض الاتحاد الأوروبي أسعاراً معدلها 39% على الواردات من الولايات المتحدة مقابل رسوم أمريكية بسعر 20% على السلع المستوردة من أوروبا وكأن القائمة تحابي أوروبا.
في حين تشير تقارير منظمة التجارة العالمية إلى أن معدل الرسوم الجمركية الأوروبية على الواردات 3%. بل صرحت المفوضية الأوربية رسمياً بأن معدل الأسعار الجمركية الأوربية على السلع المستوردة من الولايات المتحدة 1% فقط وليس 39%. وتذكر بأن حصيلة الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الأوروبية 7 مليارات دولار في 2023. مقابل حصيلة رسوم أوروبية على السلع المستوردة من الولايات المتحدة بمبلغ 3 مليارات دولار.
ومن المدهش أن القائمة الأمريكية تفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على السلع المستوردة من جزيرتي هيرد وماكدونالد الأستراليتين بحجة أن هاتين الجزرتين تفرضان رسوماً جمركية قدرها 10% على السلع الأمريكية. في حين تؤكد استراليا بأن سكان هاتين الجزيرتين الجليديتين بطاريق فقط.
ومن زاوية أخرى واستجابة للتنظيم التجاري العالمي تقرر الدول الصناعية امتيازات تجارية للدول النامية خاصة البلدان الأقل نموا. في حين لا تمنح القائمة الأمريكية أي معاملة تفضيلية لهذه البلدان. على سبيل المثال موريتانيا تخضع لسعر قدره 40%. يؤثر هذا الوضع على التنمية في هذه البلدان خاصة وأن واشنطن ألغت القسط الأكبر من المساعدات الإنسانية الخارجية.
التأثير السلبي على السياسة النقدية
زيادة الرسوم الجمركية ليست هدفاً. بل وسيلة لتقليص العجز الذي يعاني منه الميزان التجاري السلعي الأمريكي منذ عدة سنوات.
لتقليص هذا العجز تسعى واشنطن إلى خفض القيمة التعادلية للدولار مقابل العملات الأخرى. لأن هذه العملية تقود إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة فينخفض استهلاكها وبالتالي استيرادها. وتقود في الوقت نفسه إلى انخفاض أسعار السلع المصدرة فيزداد الطلب عليها فترتفع الصادرات.
لتخفيض سعر صرف الدولار تأثير مباشر على جميع العملات الخليجية لارتباطها بسعر ثابت بالعملة الأمريكية.
انخفاض سعر الصرف يعني إذن تزايد معدلات التضخم فيتضرر المستهلكون الخليجيون خاصة أصحاب الدخول الثابتة والضعيفة.
كما أن هبوط القيمة التعادلية للدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى كاليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني يقود إلى نتائج سلبية على الاحتياطي النقدي للبنوك المركزية الخليجية. كلما زادت أهمية الدولار في هذا الاحتياطي ارتفعت الخسائر المالية.
يتكون الاحتياطي النقدي في الخليج من عملات أجنبية وأوراق مالية بالدرجة الأولى. ففي السعودية تبلغ هذه العملات والأوراق 443 مليار دولار أي 95% من الاحتياطي النقدي للدولة. قسط كبير من هذا المبلغ بالدولار الأمريكي. تراجع القيمة التعادلية للعملة الأمريكية يقود بالضرورة إلى انخفاض القوة الشرائية لهذه الأموال.
لذلك كان من المفروض أن تلجأ البنوك المركزية الخليجية إلى شراء كميات كبيرة من الذهب بدلاً من الاحتفاظ بعملة تنخفض قيمتها. لكنها لم تفعل ذلك.
زيادة الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة
تسعى الولايات المتحدة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية إليها عن طريق رفع أسعار الرسوم الجمركية. ترى الإدارة الجديدة أن على الأجانب الاستثمار مباشرة في الولايات المتحدة بدلاً من تصدير سلعهم إليها. وهكذا يتجنب المستثمرون الرسوم المرتفعة فتزداد أرباحهم.
تهدف واشنطن إلى تحسين أداء القطاع الصناعي الذي يشكو من عدة مشاكل أهمها عدم قدرته على تلبية الطلب المحلي. كما تقود هذه الاستثمارات إلى زيادة فرص العمل فينخفض معدل البطالة البالغ 4.2% والمتجه نحو الارتفاع خاصة في الأشهر المنصرمة. كما تفضي هذه الاستثمارات إلى تقويض الاعتماد على الاستيراد فيهبط العجز التجاري.
وهكذا يفترض ألا يقتصر الهدف من الرسوم الجمركية الجديدة على زيادة إيرادات الميزانية الاتحادية. بل يتعين أن تقود هذه الرسوم إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية.
لم تستجب الدول الكبرى خاصة الاتحاد الأوربي والصين وكندا للسياسة الأمريكية الجديدة. بل صرحت رسمياً دول كفرنسا بعدم رغبتها في زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة تحت ظل الرسوم الجديدة التي وصفت بالمعتدية.
كما أن المؤشرات لا تساعد على زيادة الاستثمارات لأن هذه الرسوم ستقود بالضرورة إلى تفاقم التضخم وتباطؤ النمو خاصة في الولايات المتحدة.
ورغم هذا الوضع غير المشجع تصر دول الخليج على ضخ مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأمريكي.
فقد قررت السعودية استثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع القادمة. وقد يرتفع المبلغ لاحقاً. وتشير التقارير إلى أن للسعودية حالياً استثمارات في الولايات المتحدة قيمتها 770 مليار دولار. وبذلك سيكون المجموع الكلي للاستثمارات السعودية في هذا البلد 1370 مليار دولار. عندئذ ستكون السعودية ثالث مستثمر في الولايات المتحدة بعد اليابان وبريطانيا.
لا تزال السعودية مصرة على موقفها من هذه الاستثمارات الهائلة رغم أن الأسعار الجمركية أدت إلى تراجع البورصة السعودية بنسبة عالية بلغت 6.8%. انخفضت إذن القيمة السوقية لجميع الشركات السعودية. فقد قدرت خسائر هذه البورصة خلال يومين بمبلغ 540 مليار ريال منها 340 مليار ريال لآرامكو. لم تشهد البورصة السعودية مثل هذه الخسائر منذ جائحة كورونا.
كما قررت الإمارات استثمار 1.4 ترليون دولار في الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات العشر القادمة. سيتناول ميادين عديدة كالطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي. في حين خسر سوق دبي المالي 15 مليار درهم بسبب الرسوم الأمريكية الجديدة. وارتفعت خسائر سوق أبو ظبي للأوراق المالية إلى 31 مليار درهم.
لماذا تدعم دول الخليج الاقتصاد الأمريكي بهذه الصورة في حين أن المؤشرات غير مشجعة خاصة في الوقت الحاضر؟. كيف يمكن الاستثمار في بلد أضر بالاقتصاد العالمي برمته؟
يرى الجانب الأمريكي أن على دول الخليج الاستثمار في الولايات المتحدة مقابل الحماية العسكرية التي تقدمها واشنطن لأنظمة حكم هذه الدول. وقد سبق للرئيس الأمريكي سواء في دورته الحالية أم في دورته الأولى التصريح عدة مرات بهذا الثمن.
في الدورة الأولى ارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات من الصين والمكسيك. في حين أن الارتفاع الحالي يشمل جميع أنحاء المعمورة. كما أن الاستثمارات الحالية مباشرة. وبالتالي قد تسجل خسائر فادحة بسبب المؤشرات الأمريكية غير المشجعة. في حين أن الأموال التي قدمت في الدورة الأولى تجارية. ففي 2017 تم التوقيع في الرياض على اتفاقيات بين السعودية والولايات المتحدة قيمتها 460 مليار دولار تتضمن عدة مشتريات سعودية من بينها عسكرية ولمدة عشر سنوات.
الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة تخالف صراحة الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف. وتضر بمصالح جميع البلدان خاصة دول مجلس التعاون الخليجي. وهذا يكفي للتصدي لها بحزم شديد. يتعين على أقل تقدير أن تراجع السعودية والإمارات قراراتها بشأن استثمار مئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة على ضوء التداعيات السلبية لهذه الرسوم.