إيران والعلاقات مع الخليج: بناء الثقة الشاق

ليس من المبالغة تشبيه العلاقة الإيرانية – الخليجية بميزان حرارة المنطقة سياسيًا وأمنيًا. تقول ذلك الوقائع الجغرافية والتاريخية. سواء في ظل حكم الشاهنشاهية أو النظام الجمهوري الإسلامي، لم تكن إيران والخليج يوما على حلفٍ تام أو عداءٍ تام، وتحت هذا السقف الهلامي وامتداداته الدولية، يُبنى جزء أساسي من المسار الاستراتيجي في المنطقة والعالم. 

بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، فتحت طهران صفحة جديدة في تاريخ العلاقات مع دول الخليج، بعدما كان الشاه محمد رضا بهلوي مشهورا بدور “شرطي الخليج” لحماية المصالح النفطية الغربية وفي طليعتها الأميركية. أحدث وصول الإمام الخميني للحكم تغييراً جذرياً بسياسة إيران الخارجية بعد إعلان الجمهورية الإسلامية، فاتخذ شعار “لاشرقیة ولا غربية، جمهورية إسلامية” محدداً أساسياً في تعامله مع الخارج. تطوّرت النظرة الإيرانية تجاه العلاقات مع دول الجوار الخليجي بتطور الأحداث، من الحرب مع العراق وما بعدها، ثم أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، فغزو العراق وانتفاضات الربيع العربي وصولا إلى تطبيع دول خليجية مع إسرائيل. سياق يفرض نظرة إيرانية مختلفة للعلاقات مع الخليج، تتبدّل هوامشها بتبدّل التيار الممسك بالسلطة في طهران، ما يعني أننا لسنا أمام نظرة إيرانية خالصة تجاه العلاقات مع الخليج، فما هي أبرز التوجهات الإيرانية في هذه المسألة المهمّة إيرانيًا على مختلف المستويات؟

الأحزاب الوطنية الإيرانية… السلام مع الخليج 

مع تكليف الخميني المهندس مهدي بازركان تشکیل حکومة مؤقتة للجمهورية الوليدة، عرُف بازركان بتوجهه الوطني، وسار على خطى سلفه رئيس الوزراء الأسبق محمد مصدق، فانتهج سياسة “التوازن السلبي” في السياسة الخارجية، التي تقوم على مبدأ سياسة الحياد بين القوى العالمية، وحفظ التوازن في العلاقات الدولية لحماية المصالح الوطنية.

عارضت الحكومة المؤقتة التي كان معظم أعضائها من حزبي “الجبهة الوطنية” و”حركة الحرية”، التوجه للحرب مع العراق. سعى وزير الخارجية آنذاك ابراهيم يزدي إلى حلّ الخلافات مع العراق دبلوماسيا، فالتقى بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين في العاصمة الأذربيجانية باكو على هامش مؤتمر دول عدم الانحياز عام 1979، لكن اللقاء انتهى بلا نتائج إيجابية. استمرت معارضة التيار الوطني بعد اشتعال الحرب، وطالبت شخصيات بارزة منه بإيجاد حل سياسي لوضع خاتمة سريعة للحرب، لما تحمله بتبعات سلبية على البلاد. 

كان الموقف الخليجي داعما للعراق خلال غزو إيران تحت مبرر “مواجهة تصدير الثورة الإيرانية”، من أبرز ما يردّ به أنصار التيارات الأخرى على التيارات الوطنية. وفي المحصلة، سريعا، تراجع منسوب حضور هذا التيار في صناعة القرار الإيراني، وانتقلت نظرة إيران لعلاقاتها بالخليج إلى أطراف أخرى. 

التيار الإصلاحي: ازدهار العلاقات الإيرانية ـ الخليجية

بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية عام 1988 وصل أكبر هاشمي رفسنجاني لرئاسة البلاد، وسعى لترميم العلاقات مع دول الخليج الست. أبرز الخطوات كانت رفض إيران الغزو العراقي للكويت عام 1991، ومطالبتها العراق بالانسحاب الفوري منها. وفي السياق نفسه، رفضت إيران عرضا مغريًا من الرئيس العراقي صدام حسين، أساسه اعتراف عراقي باتفاقية الجزائر 1975 حول شط العرب، وإعادة أسرى الحرب الإيرانيين، في مقابل حياد الموقف الإيراني من غزو الكويت. مواقف رفسنجاني لاقت استحسانا خليجياً، وتمكن من فتح باب جديد من العلاقات الثنائية. لكن رفسنجاني لم يسلم من انتقادات الداخل، باعتبار مواقفه “ابتعاد عن مبادئ الثورة الإيرانية”.

سار رفسنجاني بالعلاقات الإيرانية ـ الخليجية على نحو إيجابي، فالتقى بقادة دول الخليج وعلى رأسهم الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وجمعت بينهما صداقة متينة كما تشير التقارير، تخطت الأعراف الدبلوماسية إلى الصداقة العائلية، حيث زارت العائلتان الرياض وطهران، الأمر الذي ساعد على رفع الهواجس الأمنية لدول الخليج، حول حفظ مصالحها التجارية في مياه الخليج وأدى إلى تحسن حذر في العلاقات الثنائية.

يعلق الدبلوماسي السابق نصرت الله تاجيك حول حقبة رفسنجاني بقوله: “تمركزت سياسة الرئيس رفسنجاني بعد الحرب (مع العراق) بتخفيف حِدَّة الخلافات مع دول الجوار لكسب المزايا الاقتصادية للبلاد”.

استمر ذلك في فترة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي المنتخب عام 1997. فقد حاول كسر العزلة الدولية التي عاشتها إيران بعد الثورة، من خلال طرحه فكرة “حوار الحضارات”، فشهدت العلاقات الإيرانية ـ الخليجية ازدهاراً كبيراً، توج بتوقيع الاتفاقية الأمنية بين إيران والسعودية عام 2001، ووصل التبادل التجاري مع دول الخليج خلال عام 2000 إلى نحو 4 مليارات دولار، كما أعفت إيران مواطني دول مجلس التعاون من الحصول على تأشيرات دخول إيران.

اتبع التيار الإصلاحي خلال حقبة الرئيس خاتمي سياسة خارجية تنبذ التوتر مع دول الجوار، وساعده في ذلك، الهدوء الإقليمي الذي كان سائدا، فأسس خطابه على الدعوة لتخطي الخلافات والاهتمام بالمصالح المشتركة، والسعي لإقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل بما يضمن مصالح إيران بشتى المجالات.

التيار الأصولي والخليج.. الثقة المزعزعة  

تمثلت مرحلة حكم الأصوليين بقيادة الرئيس أحمد نجاد، بإعادة صياغة تصدير مبادئها الثورية للخارج. بعد حرب العراق، عادت العلاقات الإيرانية ـ الخليجية إلى المنحى السلبي. فاعتبر الرئيس أحمدي نجاد حرب العراق تهديداَ لحدود بلاده، ورأى وجوب تطوير الحضور الإيراني في المنطقة وذلك عبر البناء على مواجهة التدخل الأجنبي. الدور في العراق، إلى جانب اهتزازات عديدة على مستوى المنطقة، بما في ذلك اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتطوير إيران لبرنامجها النووي، رفع من مستوى التوتر وأثار مخاوف دول الخليج من تصاعد القوة الإيرانية في المنطقة والتشكيك بسلمية برنامجها النووي.

الترحيب الإيراني بوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر بعد سقوط نظام حسني مبارك، فضلًا عن الموقف الإيراني الداعم للانتفاضات العربية باستثناء السورية، أقلق دول الخليج، خصوصا وأن السعودية والإمارات وقطر كانت جزءا أساسيًا من المشهد السياسي الإقليمي المحيط بالانتفاضات العربية وسياسات القوى والتيارات التي مثلتها سياسيًا وميدانيا. 

تأثرت العلاقات سلبًا بصورة أكبر خلال زيارة أحمدي نجاد جزيرة أبو موسى عام 2012 أحد الجزر الثلاث المتنازع على ملكيتها بين إيران والإمارات، فاعتبرت أبو ظبي الزيارة انتهاكاً صارخاً لسيادة أراضيها، بينما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الزيارة شأن إيراني داخلي، ودعت للحوار لرفع “سوء الفهم” الحاصل بين الطرفين. إلا أن الخلاف القائم لم يعكر صفو التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين، إذ تعتبر إمارة دبي الرئة الاقتصادية لإيران، وهي الوجهة السياحية لمعظم الإيرانيين حتى اليوم إضافة إلى تركيا. 

انتهج التیار الأصولي سياسة خارجية مع دول الخليج تقوم على حفظ المصالح الثنائية، لكنه لم يتخلَّ عن تحقيق أهداف الثورة الإيرانية بتصدير مفاهيمها ودعم حلفائها في بلدانهم، كحزب الله في لبنان مثلا. ينظر التيار الأصولي للخارج بعين الحذر والشك بنسج المؤامرات ضد طهران، خاصة بعد اصطفاف دول الخليج مع أميركا في حرب العراق، وصولا إلى تطبيع دول خليجية مع إسرائيل وسكوت أخرى عن ذلك. 

موقف التيار المعتدل من الخليج 

يتبنى الفكر المعتدل في إيران رؤية براغماتية، أساسها المصالح حسب المعطيات الإقليمية والدولية، والانفتاح على خيارات عدة تجنب إيران أزمات سياسية مع دول الخليج، التي ستزيد بدورها قائمة الخلافات، وتعكس سلباً على أوضاع البلاد. ويرى معظم المتخصصون في الشأن الإيراني، أنه في حال انتخب رئيس معتدل فسيكون أمام تحدياتٍ داخلية، خاصة في ظل قلة صلاحيته الرئاسية في ملف السياسة الخارجية، في مقابل قرب التيار الأصولي من مراكز صناعة القرار في إيران وأبرزها القائد الأعلى آية الله علي خامنئي. 

لم يحصل تحسّن في العلاقات الإيرانية الخليجية مع انتخاب الرئيس حسن روحاني، المحافظ السابق الذي اقترب تدريجيا من التيار الإصلاحي. تغير الخريطة السياسة في المنطقة وتراكم الصراعات فيها، حال دون ذلك. مع تفاقم الأزمة سريعًا في سوريا واليمن، بدا لطهران أن الربيع العربي أصبح خريفاً يستهدف حلفاءها في “محور المقاومة”، فسارعت إلى إعلان دعم الرئيس السوري بشار الأسد 2012 وأيضاً جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن بعد سيطرتها على صنعاء. 

دخلت العلاقات الإيرانية ـ الخليجية ولا سيما السعودية منها، حرباً بالوكالة في اليمن وسوريا وفق متابعين كثر، بعد إعلان التحالف الخليجي بقيادة السعودية عن “عاصفة الحزم” عام 2015 ضد  “أنصار الله” ودعما للحكومة المعترف بها دوليا، كما ودعمت كل من السعودية والإمارات وقطر جماعات مسلحة في سوريا تواجهت مباشرة مع قوى مدعومة من إيران كحزب الله و”فاطميون” و”زينبيون”. 

واجهت العلاقات الإيرانية ـ الخليجية أزمة القطيعة الدبلوماسية، بعد اقتحام متظاهرين إيرانيين السفارة السعودية في طهران، تنديدًا لإعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر عام 2016. أعلنت بعدها السعودية، البحرين، السودان، الصومال وجيبوتي قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران، تنديداً بالهجوم على البعثة الدبلوماسية السعودية، أما الإمارات فقررت تخفيض التمثيل الدبلوماسي إلى القائم بالأعمال.

تصاعد التوتر داخل المياه الخليجية عام 2019، مع تعرض 4 سفن شحن تجارية لعمليات تخريبية داخل المياه الإقليمية الإماراتية، وتعرض ناقلتي نفط سعوديتين، لهجوم تخريبي قبالة السواحل الإماراتية دون الكشف عن الجهة التي تقف خلفها. 

كانت هذه الأحداث كفيلة بارتفاع نسبة التوتر في مياه الخليج، فعرض الرئيس روحاني مبادرة السلام في مضيق هرمز على دول الخليج، التي تقوم على أربعة مبادئ رئيسة هي: عدم التدخل في شؤون الغير، عدم الاعتداء، الالتزام بأمن الطاقة، والاحتكام إلى القانون الدولي. لكن الانقسام الخليجي حول المبادرة والحسابات الدولية المعقدة في المنطقة كانت سبباً في عدم رؤية المبادرة النور.

تعليقاً على الأمر يقول السياسي الإصلاحي كوروش أحمدي: “بعد مرور مرحلة طويلة من التصعيد بين إيران ودول الخليج، نحتاج إلى دخول مرحلة طويلة من الثقة المتبادلة بين الطرفين، وإن الحديث عن حل الخلافات مع السعودية والإمارات مبكر جدًا، لذا يمكن تخفيف حدَّة الخلافات، لكن لا يمكن إيجاد تحول جذري في العلاقات الدبلوماسية في المنطقة”

تقول الخلاصات إن هوامش العلاقة مع الخليج تتسّع وتضيق تبعا للتيار الحاكم في إيران، لكنّ هذا المعطى ليس وحده على الإطلاق ما يحكم هذه العلاقات ولا الرؤى الإيرانية المختلفة أو الخليجية. بل هي معطيات المشاريع السياسية التي اصطدمت في أكثر من مكان. وإذا كانت إيران قد استفادت من الأزمة الخليجية الأخيرة، ووثقت تحالفها مع قطر، فإن ذلك يعدّ مؤشرًا على ضرورة مقاربةٍ جديدةٍ للعلاقات بين الطرفين، خصوصا وأن الخطاب الإيراني مبني دائما على فكرة أن الإدارات الأميركية تتبدل بينما دول الخليج على ضفتيه باقية كما هي.